المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بداية النهاية. صدام


الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 12:33 AM
الثالث عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2003 كان اليوم الأخير في حياة الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين حرا طليقا، بعدما ألقت القوات الأميركية القبض عليه قرب مسقط رأسه تكريت بعد رحلة بحث استغرقت نحو ثمانية أشهر منذ سقوط بغداد في 9 أبريل/نيسان.


شغل صدام العالم أجمع منذ توليه السلطة عام 1979، سواء أكان ذلك بسبب حربه ضد إيران على مدى ثمان سنوات (1980 - 1988) أم بسبب غزوه للكويت عام 1990 وإجباره على الخروج منها على يد قوات التحالف الدولي في حرب عاصفة الصحراء عام 1991 وما تبع ذلك من حصار اقتصادي شديد الوطأة مع جهود حثيثة ومساع دؤوبة للقضاء ليس فقط على برنامج العراق النووي ولكن أيضا على البنية العلمية والمعرفية في العراق.

التعرف على شخصية صدام حسين يعتبر عاملا مهما في تحليل مجريات كثير من الأحداث التي شهدها العالم -وبالأخص المنطقة العربية- خلال العقدين الماضيين والتي لايزال يتابع فصولها حتى الآن.

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 12:37 AM
كيف نجح طفل «شويش» اليتيم في قذف العراق إلى مطحنة الدم والمجهول رسم خاله خيرالله طلفاح بغيظ علامة * وقال: هذه الكويت... فكان درسه التاريخي الأول

Published on Feb 12, 2003
بقلم: الرأي العام


ليس صدام حسين كما يرسم ملامح شخصيته الروائي مهدي حيدر في رواية «عالم صدام حسين»، إلا طفرة «وراثية» هائلة لآلاف من الذين أصابتهم «لوثة» القوة والانقلاب والعنف، وهيمنوا على إيقاع الحياة العراقية منذ نهاية الخمسينيات وحتى الآن.
شخصية صدام الروائية، صاغتها وقائع حياتية لم تكن في أفضل الأحوال، يمكن أن تنتج إنساناً «طبيعياً»، لكنه استجاب لهذه الوقائع من فقر ويتم وقسوة البيئة وزوج الأم، والعنف المجاني المتلذذ بعذابات الآخرين، استجابته الخاصة، فجعل كل هذه المقدمات تختمر على نار «الفرهود العراقي» اللا عقلاني، الذي انطلق مع صدامات القوى السياسية التي كانت تتصارع على أفضل طريق لسعادة وحرية الشعب، بينما هي تسحل وتقتل زهرته في شوارع الموصل وكركوك والبصرة وبغداد.
«الفرهود العراقي» اخرج الآلاف من عسكر ومدنيين فلاحين وصيادين معلمين وأميين، لكن أحداِ منهم لا يمكن أن يبز قامة صدام الذي يحتل «المركز» في عالمه الخاص المعقد والمستعصى على الفهم الإنساني، لأنه كما يقدمه مهدي حيدر «كابوس لحد لا يصد», وما الرواية إلا ظلال هذا العالم، أما مادته الحية، وقوده، فقد استهلكته الآلة الخرافية لعالم صدام.
«الرأي العام» تجازف بقرارة هذا العالم مع قرائها الذين يجب تذكيرهم، أن الخيال مهما كان جامحا، وحتى متحاملاً، فلن يكون ابشع مما حدث.
ترسم التفاصيل الأولى التي يقدمها الروائي للفتى صدام، ملامح حياة قاسية، بيئة جافة، عدوانية بطبيعتها لا تحتكم إلا لقانون القوة، ونظامها كل شيء في حياة الطفل,,, كانت مقدمات «شاذة» لحياة غير طبيعية: يتم في الخامسة، زوج أم هو في الوقت نفسه العم، يلقب بـ «الكذاب», قاس إلى حد دفع الطفل الى الهرب، والطفل استجاب لهذه البيئة استجابته القصوى، «طبيعية الشوك تسربت إلى خلاياه، إلى لحمه وعظامه ودمه لئلاً تؤلمه عضات الذئاب وعدوانية البشر، كان عليه أن يربي تمساحا فوق جلده,,, يعلم أن مهمات أخرى صعبة تنتظره في أيام آتية: عليه الاستعداد العالم يعج بالضواري».
التجارب والدروس الأولى كانت حاسمة والروائي يقدمها بكثافة وعمق دالين.
في ذلك الزمن البعيد، حين أعادوه من تكريت، إلى بيت أمه صبحة في قرية شويش، بعدما زج الإنكليز خاله في السجن، لم يكن صدام بلغ الخامسة بعد, طوال شهور إعتاد أن يسأل أمه عن خاله خيرالله: «أين هو»؟ طوال شهور ظل جوابها واحداً: «في السجن».
أبناء القرية كانوا يطاردونه في الأزقة ويرمونه بالحجارة، كان بلا أب, خلال غيابه في تكريت اقترنت أمه الأرملة، بعمه حسن إبراهيم, وبرجوعه إلى القرية، وجد صدام نفسه هدفاً لضربات هذا العم الغريب، اكتشف أن الناس ينادون عمه «حسن الكذاب»، حين سأله عن السبب، ذاق طعم عصا ملبسة بالزفت الصلب للمرة الأولى في حياته.
عمه حسن إبراهيم، الفلاح الفقير الذي لا يملك أرضا، كان يجرع خمرة التمر ويتسلى بضربه,,, بعد سنوات طويلة، أثناء دراسة الحقوق في جامعة القاهرة، تذكر صدام تلك السرقات الصغيرة التي أمره عمه بتنفيذها, أن يسرق تمراً أو تبغاً، وأن يفر راكضاً بين الغنم إلى أطلال الحجر عند طرف القرية، تلك الأطلال التي تذكره بالقلعة الباقية على الهضبة المطلة علي تكريت, كان يرى القلعة من نافذة بيت خاله خيرالله طلفاح المجاور للمسالخ, من النافذة ذاتها كان يتفرج على صناع الأطواف المنفوخة يخيطون جلود الحيوانات المسلوخة بأبر ساخنة ويبردون أصابعهم في حوض الماء، في شويش، عاش من عام 1941 وحتى خروجه الثاني إلى تكريت,,, خمس سنوات وشمت روحه ببصمة لا تزول.
يفر من عصا عمه الملبسة بالزفت إلى الأزقة، فيصطدم بالأولاد هناك، عثر وراء مخزن مهجور على قضيب حديد فخبأه في ثوبه، ثم خاف أن يعثر عمه على القضيب فرماه في بورة وراء حظيرة مثقوبة السقف، أمامها بئر جافة، اعتاد أن يرى قربها جلود ثعابين شققتها الشمس، كل شيء في هذه القرية بدا قديماً ومهجوراً، في حقول الشوك كان يجلس وحده ويلاعب العقارب بعود خيزران طويل، راقب العقارب تتقاتل,,, وحده يلاعب العقارب بعود خيزران طويل, ورأى صفوف نمل تنقل عقرباً ميتاً إلى ثقب في التراب، ثم تقطعه قطعاً صغيرة، وتحمله على أعماق الأرض, كان يفصل بين العقارب بطرف العود، ويتأمل رجوعها إلى العراك, طرطقة عظام صغيرة، صوت كأنه صوت السم في قلب العظام، تحت شمس الصيف الحارقة، رأى جثة بقرة منتفخة والجوارح تمزقها بمناقير معقوفة.
كان يمشي في حقول الشوك ساعات, رأى ثعباناً يلتهم طيراً أحمر الريش, هب هواء ساخن ورأى بيت أمه يلوح من بعيد، قرب الأشجار اليابسة السوداء، بينما يبتعد عن حقول الشوك اليابسة، كان ينتابه الإحساس أنه ترك قطعاً من جسمه وراء ظهره, يكره هذا الكوخ المبني من قش ووحل وخشب، يظل يمشي إليه، لا يجد مكانا آخر يمشي إليه، كلما تعب من شروده في الحقول اليابسة، كلما اقترب الظلام وتعالى عواء الحيوانات، هذا الكوخ,,, كوخ بلا نوافذ، رائحته تبن ووحل، وفي الليل يتحول قبراً.
طوال سنة، ظل يتلقي جلداً مبرحاً من فتى يكبره بأعوام,,, كان الفتى المعتم الوجه ينتظره في الظلام قرب بيت أمه, يكون صدام عائداً من شروده النهاري في الحقول والبرية والليل يهبط، حين يظهر له ذلك الشبح من وراء شجرة أو جدار متداع، يقفز الشبح صارخاً، فوق رأسه سلك حديد يقص الفضاء، يركض صدام هارباً والسلك يسقط كنار صلبة على ساقية وخصره وعنقه, لم يخبر أحدا, حين قسى جسمه قليلاً، انتظر ليلة كاملة الظلمة كثيفة الغيوم، وأخرج قضيب الحديد القديم من البورة قرب الحظيرة المهدمة، رجع إلى الكوخ من الجهة الأخرى، تسلل من وراء أشجار مكسورة وحيطان قصيرة, رأى ذلك الشبح الذي يكبره بحفنة أعوام، طويلا عريضاً كمارد يلتصق بشجرة تين, ارتجفت ذراعه, القضيب كان ثقيلاً في يده، الشبح كان يدندن ونظراته معلقه بالتلال وحقول الشوك، اقترب صدام بلا صوت، رفع القضيب وهوى به، الضربة الأولى أصابت الظهر والكتف، سقط الفتى أرضاً، استمر يضربه بالقضيب الحديد حتى احترقت يده وأكتوى جلد اصابعه, صراخ الفتى امتزج بعواء الذئاب والضباع في البرية,,, بعد ذلك توقف الأولاد عن مطاردة صدام.
هكذا بدأ صدام الطفل رسم شخصيته بنفسه، وكانت النتيجة مؤثرة، اتبعها بفراره من بيت أمه ولجأ إلى خاله خيرالله طلفاح,,, وما دفع صدام الى هذا القرار، أدراكه الفرق بينه، وهو الأمي، وبين ابن خاله عدنان الذي يذهب الى المدرسة، يقرأ ويكتب, لم يكن ذلك شعوراً طفوليا عابراً بالغيرة، بل كان ملمحاً رئيسياً لشخصية الطفل وهي تتشكل وسط إحساس عميق بالكراهية للبيئة التي يعيش فيها ورغبات حارقة في الاستحواذ على

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 12:39 AM
كل وسائل ومقدمات القوة لعلها تساعده في تضميد شعوره العميق بالوحدة.
هذه الملامح الطفولية لصدام، تشكل مادة خصبة لكل مدارس التحليل النفسي الحديثة، والروائي يدرك ذلك جيداً, لا يريد أن يشير إليه مباشرة, لكنه متضمن في ثنايا التفاصيل والوقائع.
بانتقال صدام إلى بيت خاله دخل مباشرة في «الهيجان» السياسي القومي البازغ في العراق, خيرالله طلفاح كان المعلم والمهيج الأول، ومنه تجرع الطفل دروسه التاريخية والجغرافية والسياسية الأولى في أكثر صورها «فجاجة وانحطاطاً», والروائي يلخص دروس طلفاح الأولى بكثافة، وستظهر ثمار ما زرعه في عقل ابن اخته الصغير بعد غرسها بـ 40 عاماً, خرج خيرالله طلفاح من السجن، وجاء من تكريت إلى شويش مع ابنه عدنان لزيارة أخته صبحة، كان عدنان في السابعة، اصغر من ابن عمته النحيل المفلع الجلد الداكن اللون، بثلاث سنوات، لكنه يعرف أشياء لا يعرفها صدام, كان عدنان يقرأ ويكتب, صدام الأمي الذي لا يعرف أن يفك حروف اسمه، نظر إلى إبن خاله يخط بالعود حروفاً على التراب وراء الكوخ، وعرف أنه طوال السنوات الماضية كان مرمياً في بئر مظلمة بلا قرار, تذكر البئر الجافة قرب الحظيرة المهدمة بالشوك النابت في حجارة فوهتها، وأحس بحروق في حنجرته وفي تجويفي عينيه، حين ابتعد عدنان إلى ظل شجرة التين، حاول صدام أن يقلد رسم الحروف الباقية على التراب.
ذات يوم، دخل على أمه ظهراً والمياه «تنقط» من شعره وذراعيه, كانت رائحة الترعة تفوح من جلده، قال ناظرا إلى نقطة ثابتة فوق رأسها: «أنا ذاهب إلى تكريت».
الأم لم تقل شيئاً, تابعت تقشير فصوص الثوم وإلقاء نظرات خاطفة على ابنها المنشغل في الزاوية بإعداد صرة السفر, حين وقف امام الباب بصرة من بطانية صوف ألقاها على ظهره، رأت نور الظهيرة الأبيض يرفع سراباً متموجاً من التراب، فقالت: إذا ذهبت من دون إخباره يقتلك.
قال لها: من؟
ردت: عمك
بصق صدام حسين الكلمات من فمه وذراعه ترتجف غيظاً: حسن الكذاب!
تراجع جذع المرأة إلى خلف، ذعرت من قوة الكراهية في الصوت الحاد الذي غدا فجأة صوتاً لا تعرفه، كان في الصوت برودة، خشونة غير بشرية تشبه سهاماً مسمومة تنغرز في مسامعها.
على الطريق المغبر في ذلك الصيف البعيد، أدرك أنه وحده في العالم, خاله قد يساعده، لكن عليه أن يتذكر ما فهمه جيداً، جالساً في المربع الصخري وسط حقول الشوك: إنه وحده ولن يكون الأمر مختلفاً أبدا.
كان صدام يجلس مع ابن خاله عدنان، يستمع إلى دروس العسكري الذي صار أستاذا، ويتأمل الخرائط التي يرسمها بالطبشور على اللوح الخشب، أمام عينيه، للمرة الأولى في حياته، رأى شكل البلاد التي يعيش فيها مرسوماً على الخشب، رأى دجلة والفرات يتدفقان جنوباً، الأول آتياً من تركيا، والثاني من سورية يزحفان ويتقاربان والأرض تخضر بينهما، إلى أن يلتقيا في الجنوب, اسم البصرة رن في أذنه خاله، رسم حدود العراق، وكتب اسمي تركيا وسورية في الشمال، واسم السعودية في الغرب والجنوب، واسم إيران في الشرق، عدنان سأله: زين الكويت؟ الخال ابتسم، وسألهما لماذا لم يسألا عن الأردن ايضاً؟ كان ضوء الغروب يملأ الغرفة، وأصوات الباعة ترتفع من السوق، بينما تعالى أذان العشاء, رسم خيرالله طلفاح بطبشورة عصبية خطاً حاداً في أقصى الجنوب، جنوب البصرة وشمال مياه الخليج، ثم رسم علامة الضرب * وقال: «هذه الكويت».
طارت ذراعه في حركة مباغته شمالاً نحو سورية، رسم خطاً آخر مكسورا في زوايا قائمة بين سورية والعراق والسعودية، وقال: «وهذا الأردن».
ثم رمي الطبشورة أرضاً، وترك البيت، كان هذا درس صدام الأول في الجغرافيا والتاريخ معاً, وسيتذكره كلما رأى خريطة عسكرية مطروحة على مكتب في غرفة عمليات، وسيرى عدداً لا يحصى من هذه الخرائط ودائماً يتذكر ذلك اليوم البعيد في تكريت، وخاله يغادر البيت بخطى عسكرية منتظمة غاضبة، ومن الخارج يتناهى صدى الأذان ممتزجاً بهتافات تندد بقيام دولة إسرائيل.
في عام 1955، بعدما أنهى الابتدائية في تكريت، لحق صدام ابن الـ 18 عاماً، خاله خيرالله إلى صوب الكرخ في بغداد, بيت خيرالله كان آنذاك مركز تجمع للبعثيين, في هذا البيت، توثقت علاقة الشاب صدام بصديق خاله البعثي وقريبه العقيد التكريتي، أحمد حسن البكر, صدام بدا معجبا بالعسكريين، وصارح البكر: اريد أن أكون عسكرياً.
رد البكر: عليك بإنهاء دراستك الثانوية أولاً، عندئذ,,.
لم يسمع صدام تتمة الجملة، ثانوية الكرخ لا تهمه، ليست الدرب المفضي إلى القوة, لماذا ينتظر؟ ما يفعله الآن تافه وشبيه بمرحلته الحيوانية في شويش, كان يسرق ويعمل أجيراً في الحقول، يأخذ الماشية إلى الترعة ويشرب الأمراض والجراثيم معها، بينما عدنان يدرس في تكريت الآن، ها هو يدرس في ثانوية الكرخ، بينما رجال العراق غدا يتلقون تدريبهم في الكلية الحربية.
مرة أخرى، حاول الدخول إلى الكلية، هذه المرة بمساعدة ضباط آخرين من معارف خاله القدامى، مرة أخرى أصيب بالفشل.
فشلان كبيران في هذه المرحلة، رسما شخصية صدام بقوة، أولا، تأخره الدراسي الذي لن يستطيع تعويضه، وسيظل يشعر بنقص ما يحاول تجاوزه بانكار احساسه بالدونية تجاه المثقفين المشتعلين بالنشاط الذهني, والفشل الثاني في الدخول الى الكلية الحربية، ولدت لديه عداء ظاهرا للعسكريين وسطوتهم على الحزب.
صدمة الفشل الثاني تلقاها صدام بكل زخمها: ضاع في زحمة السوق,,, كيف يمنع من دخول الأكاديمية العسكرية، بينما أبناء الكلية يدخلون إليها بيسر؟ العقيد البكر هل مد المساعدة إليه حقا؟ وخاله خيرالله، لماذا يبدو مشغولاً دائماً بابنه عدنان، ولماذا لم يحاول؟
كان عمود الكهرباء في وجهه، لطمه بقبضة قاسية فنفرت قطرات الدم من مفاصل أصابعه,,, في مربع الصخر كان يغرز الأشواك في ذراعيه ويراقب الدماء تسيل، هكذا لن يضعف، لن تفر الدموع من عينية حين تسقط العصا الملبسة بحيبيات الزفت على ظهره وكليتيه, هبط الشلام وهو يسير شارداً في الأسواق.

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 12:40 AM
دبر غرفة في قلب بغداد أسفل بناء كبير مقابل سينما «روكسي» يعج بالوكلاء التجاريين, كانت غرفة تحت الأرض تقريباً، بنافذة مدورة غائر نصفها في الأرض، كان يرى الأقدام في الشارع,,,وهو ممدد طوال النهارات على حصير، لا يخرج إلا ليلاً.
يمشي شارع الرشيد ونور المصابيح المشتعلة على الأرصفة, يقف أمام بائع اللحمة المشوية عند زاوية فندق «السندباد»، يتفرج على الأسياخ والدهن يقطر على الفحم فيتوهج ويلتهب، والروائح تفوح، روائح الشواء والعرق والبيرة والزيت المقلي، رائحة الطعمية والبطاطا المقلية والباذنجان والفول, كان يجني مالاً من بيع السجائر، يتنقل بين تقاطعات الطرق في وسط المدينة حاملا صندوقاً, أحياناً يعمل في الصباح ايضاً, لكنه يغادر الأسواق إلى غرفته الأرضية، حين تهب رياح الرمل قبيل الظهيرة, في طريقه إلى غرفته، يشترى شاياً وسكراً وبيضا وبعض الخضر، النهار للتفكير والتخطيط وتحضير الجمل والردود القوية, العصر وأول الليل لبيع السجائر، وجني لقمة العيش موقتاً، بعد نصف الليل وحتى سويعات الفجر الأولى يتنقل بين أوكار البعثيين وحزبي «الاستقلال» و«الشعب»، يتمرن على النقاش، يراقب الناشطين, يتعلم الصمت وإطلاق عبارته في اللحظة المناسبة,,, من راديو مقهى «البلدية» يستمع، يكتشف رويداً رويدا أن الصلابة الكامنة في الكلمات هي التي تحسم المواقف، الصلابة، الصلابة والقدرة على اكتشاف نقطة الضعف في الخصوم والأهم، الأهم من كل شيء: القوة، ألا تضعف أبداً، أن تكون دائماً أشرس من الآخرين.
في ربيع 1956 انضم صدام الى حزب البعث، خاله خيرالله احتفل به ليلة أقسم يمين الولاء الحزبي، وسريعاً تطوع لتشكيل خلية قادرة على العراك وحماية الحزب من المخربين, بدت الفكرة مناسبة في الكرخ، حيث تشتد المنافسة مع الشيوعيين, في هذا الوقت، ايقن صدام أنه يحتاج فرقة واحدة إلى جانبه، فريقاً صغيراً يكون هو في المركز منه، ثم يبث الحركة فيه، يجعله يتحدد رويداً رويدا، ينمو ويكبر مثل حيوان اسطوري إلى أن يمد أطرافه في جهات العراق الأربع.
وهكذا بدأت الآلة التي انشأتها ظروف اليتم والبيئة القاسية، والعم الكذاب، والخال الذي يردد «لن أفهم ابداً لماذا خلق الله اليهود»، ويدرس ابنه وابن اخته دروساً مشوهة في الجغرافيا والتاريخ, وقد دفعت الخلافات بين «البعث» وعبد الكريم قاسم، الآلة للعمل بنشاط وهمة، وهذه واحدة من البدايات.
قبل طلوع الفجر نفذت العملية, مات الرجل ممزقا بثلاثة سواطير في سريره الأبيض الكبير، لم يقتلوا زوجته او أولاده,,, الزوجة ضربت على رأسها وفقدت الوعي قبل أن تفتح عينيها من نوم منتصف الليل العميق، عصبوا عينيها وكمموا فمها وقيدوا معصميها إلى كاحليها، كما تربط الذبيحة, لم يكن ذلك صدفة، أحد الخمسة كان جزاراً، تولى تزويد الفريق بالسواطير والحيال والعقد المتينة معاً.
الأولاد حجزوا مكممين ايضاً، في غرفة صغيرة، تستخدم لحفظ المؤن, جري كل شيء على ما يرام ,لم يستيقظ سكان بيت واحد في الجوار, صدام كان واقفاً عند الزاوية يراقب الزفاق, ظهر القمر «نصف قمر» لحظة من بين الغيوم فأضاء قطعة من السماء، عاليا فوق الزقاق المحاصر بالسطوح وبالشناشيل البارزة كأورام، من الحيطان, تحركت ظلال في نهاية الشارع, سمع حفيف أوراق الشجر، سعف نخلة قريبة كنست حائطاً رملياً, المسدس في جيبه تبلل بعرق أصابعه, «الترقب إحساس مرهق»، قال لنفسه.
بعد يومين فقط، ألقي القبض عليه, كان نهض من النوم في غرفته القديمة، وألقى نظرة من النافذة على القلعة التي كادت تختفى وراء عمارات الأسواق، ثم غسل وجهه وتحت إبطيه وبلل ذقنه، وبدأ يحلقها بالموس، من المطبخ، شم رائحة بيض يقلى بالسمن، وشم رائحة خبز حارة وفول, ليلاً لم ينم جيداً بسبب عنين إمرأة خاله المفلوجة وراء الجدار، بينما ينظف الموس بالماء، سمع ساجدة تناديه من المطبخ، تسأله كيف يحب الشاي؟ قبل أن يجيب، انهالت الطرقات على باب البيت.
لم يسمحوا له بارتداء ثيابه، جروه إلى المخفر بملابس النوم، حافياً، ساجدة أرسلت أحد صبيان المسلخ خلفه، حاملا ثيابه وصباطه.
عجزوا عن إثبات التهمة عليه، حكم ستة أشهر فقط، كاد يبتسم، أغمض عينيه فاجتاحت رطوبة ساخنة دماغه,
ذروة تألق الآلة كانت يوم الاثنين الخامس من أكتوبر 1959، حيث تلقى صدام أخيراً الأمر الذي كان ينتظره في اجتماع سري ذلك المساء، أعطاه آمر المجموعة المكونة من خمسة أشخاص، مسدساً وثلاثة أمشاط ذخيرة، كانت مهمته تغطية رفاقه، هو طلب أن يشارك في عملية الاغتيال.
قال له آمر المجموعة: «لم تتلق تمرينا كافياً على التسديد, هكذا الخطة أفضل، تغطيتنا جزء جوهري من العملية كلها، نفذ مهمتك».
تلك الليلة دار في أزقة الرصافة يفكر في الأربعاء المقبل, يومان فقط, عليه أن ينتظر يومين فقط ثم,,, كان خبأ المسدس تحت الفراش في البيت في الكرخ, قبل أن يخرج، أعطاه خاله بعض النقود مطوية في علبة سجائر «بغداد» فارغة.
قال له: «هذه من الحزب».
عند الساعة السادسة والثلاثين دقيقة مساء الأربعاء، 7 أكتوبر» 1959، بينما سيارة الرئيس عبد الكريم قاسم، رئيس الوزراء القائد الأعلى للقوات المسلحة، تمر في شارع الرشيد متوجهة إلى حفل استقبال في سفارة ألمانيا الشرقية، أمطرت بوابل من الرصاص.
خطة المكمن كانت تقضى بخروج الرفاق الأربعة من مكامنهم في لحظة واحدة، اثنان يمشطان بالأسلحة الرشاشة المقعد الخلفي، واثنان يمشطان بأسلحة مماثلة، المقعد الأمامي, لم يحدث ذلك, المكلف بتغطية المهاجمين، الرفيق صدام حسين التكريتي، أخرج من تحت معطفه الطويل رشاشا، تبين لاحقاً أنه رشاش خاله خير الله طلفاح العسكري المتقاعد والرفيق البعثي المعروف، وبهذا الرشاش الفرنسي القديم المصنوع خلال الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، فتح النار على سيارة العقيد قاسم، ما إن أطلت عليه.
عام 1980 صدر كتاب باللغتين الفرنسية والعربية عنوانه «صدام حسين: الرجل والقضية والمستقبل», المؤلف عقد جلسات حوار طويلة مع الرئيس العراقي، ولم ينشر الكتاب إلا بعد أن قرأه الرئيس كاملاً وأبدى إعجاباً بدقته, يكتب في وصف العملية: «,,,لم يكن مطلوباً منه إطلاق النار وإنما تأمين حماية رفاقه الأربعة والانسحاب بعد أن يكون هؤلاء انسحبوا، لكنه لشدة حماسه، وجد صدام حسين نفسه يسحب رشاشاً صغيراً من تحت سترة طويلة أخذها من خاله,,, ويطلق النار على سيارة عبد الكريم قاسم,,,».
ميشال عفلق لم يستمع إلى الكلمات أصلاً, استمع إلى النبرة, إلى جفاف عميق وبارد وإلى سلطة غامضة لا يسبر غورها, بعد سنوات قليلة، في 1964، بناء على اقتراح من عفلق، انتخب صدام عضواً في القيادة القطرية للبعث العراقي.
في فبراير 1960 غادر صدام دمشق إلى القاهرة، عبد الكريم الشيخلي استقبله على رأس مجموعة من البعثيين, كانوا استأجروا فيلا في العاصمة المصرية، بعد أن فروا من بغداد عن طريق الأردن, في ظلال أشجار الكافور العالية، عند مدخل الفيلا، سـأل صدام رفيقه الشيخلي، من غيرهما نجا؟ كان يعنى عناصر المجموعة التي نفذت عملية الاغتيال الفاشلة.
نظر الشيخلي إلى الأرض, قال: «أنا وأنت فقط».
ظل صدام حسين صامتا، سأله الشيخلي: «كيف كانت إقامتك في الشام»؟
رفع صدام رأسه عالياً، نظر إلى غيوم الشتاء تعبر سماء القاهرة، ثم أجاب بنبرة حازمة أصابت الشيخلي بذعر غامض غير مفهوم: «الملك خارج مملكته كلب».

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 01:26 AM
الحلقة الثانية

القاهرة ـ من ناصر كامل: لا مفر من لعبة الاحتمالات في «عالم صدام حسين»، فهي رغم خطورتها، شيقة, الحافز الأول هو الغلاف، فالرواية التي طرحتها في معرض القاهرة الدولي للكتاب، «منشورات الجمل»، التي يشرف عليها الشاعر العراقي المقيم في المانيا خالد المعالي، جاء غلافها لافتاً


وكأن هذا «العالم» لن تهدأ كوابيسه وهي تطارد القارئ حتى تترك آثارها على وعيه وروحه,
الغلاف أيضا خلى من شعار دار النشر «الجمل والإعرابي»، في الغالب ليس تنصلا من «المسؤولية, فالأليف أن «الشعار» رأى الأمان بعيدا عن هذا «العالم»، الاحتمالات تزداد سخونة وتعقيدا، عندما يتساءل القراء: من هو المؤلف مهدي حيدر الذي ظل يكتب في الرواية طوال عشر سنوات متنقلا من العاصمة النيبالية، كاتمندو، في اواسط اسيا، إلى العاصمة البيروفية، ليما، على الساحل الغربي لأميركا اللاتينية, السنوات العشر والإنتقال في بلاد «غريبة» و«عجيبة» تجعل الرؤية «الكابوسية التي تحملها الرواية ملتبسة بشخصية الروائي «الغائب والمختفي».
بعض النقاد المطلعين جيداً على الأدب العراقي، يؤكدون أن، مهدي حيدر، اسم مستعار، وقليلون يرون أن في الرواية ملامح من أسلوب الروائي العراقي، فؤاد التكرلي, كما ان الراوي مهدي حيدر، قدم الشخصيات التي ظل صدام حسين يطاردها حتي قضى عليها، نفيا وسجنا واغتيالاً، باعتبارها هي المنتصر في الحياة, ضحايا صدام كانوا في الغالب يعيشون الحياة، رغم فرارهم واختفائهم بكل ما فيها, الرواية مثلا ترسم لحظات في قمة السعادة والبهجة، عاشها رئيس الوزراء العراقي السابق العقيد عبد الرازق نايف، قبل أن يغتاله رجال صدام، في الوقت الذي يختم صدام الرواية بتلك العبارة الدالة «منذ سنوات لا تحصى وأنا أشرب مشروبا تافه المذاق», فمشروبه المفضل لسنوات وفي كل الأحوال، كان فنجان قهوة مرة مخلوط باللبن, المدهش أن صدام بمجرد أن ختم عبارته تلك، قام ليسخن اللبن ويغمس فيه الخبز، في الوقت الذي كان نايف يتذوق فيه مختلف أطياب الطعام والشراب، ليس بدافع الشره بل بإحساس المتذوق المستمتع، ويحب ويتزوج ويحيى حتى اللحظات الأخيرة سعيدا,
النقاد الذين يرون أن بصمات التكرلي واضحة وظاهرة في «عالم صدام»، يشيرون إلى أن إبراز هذا التناقض بين السعادة والأمان، الذي يعيش فيه الضحية، والقرف والقلق الذي يعيش فيه الجاني، هو جزء مهم من رؤية التكرلي للحياة والفن واعلاؤه من قيمة البحث عن البهجة ولذات الحياة.
أما النقاد الحريصون المدققون، فاعتبروا شخصية المؤلف حيدر، أمانة لدى المعالي، قد لا يصرح بها إلا في حالة رحيل صدام عن كرسي الحكم.
ضروب الاحتمالات الباقية تدور حول أي من الوقائع والأحداث التي تتضمنها الرواية، ينتمي الى العالم التاريخي الواقعي، وأيهم من صنع التخييل الروائي، التواريخ والأحداث السياسية ومواقف الخصوم، لا يمكن لأحد أن يدحضها، الاختلافات تنبع من التصورات التي يقدمها الراوي لرؤية صدام وأفكاره ومشاعره، ولتلك الشخصيات غير التاريخية الموثقة,,, لكن الفرق بين الوقائع والتخيل ليست هائلة والمسافة بينهما غير محسوسة وفي الغالب غير مؤثرة.
لعبة الاحتمالات لا تنتهي عند توقيت التأليف والنشر، فهل كانا ـ حيدر والمعالي قاصدين مغازلة النهم الهائل في معرفة أحوال «سيد العراق» الذي يتعرض وبعمق لاحتمالات إزاحته بالقوة من سدة الحكم؟وهل كان القصد التسويقي التجاري هو الدافع؟وهل طغت الجوانب التشويقية «الأثارية» على المعايير الفنية الروائية؟ وهل قصد حيدر والمعالي معارضة مؤلف رواية «ذبيبة والملك» المنكور الاسم، والذي يتداول القراء قراءتها على أنها من تأليف صدام، معارضة فنية، أم أن صدام باخفائه اسمه من على غلاف الرواية، يمارس تعاليه وآنفته المعروفين، بينما يمارس حيدر والمعالي تقيتهما الحريصة كل هذه الاحتمالات والأسئلة لا يستطيع حسمها إلا القارىء؟
و«الرأي العام» إذ تقدم قراءة في الرواية، تقصد إتاحة فرصة أوسع لقرائها للحكم والدخول في «لعبة الاحتمالات» في «عالم صدام حسين».

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 01:35 AM
الحلقة الثالثة
صدام وصف مصر التي منحته و«رفاقه» فيلا في ارقى احيائها بـ «الملعونة» سأله عفلق: ماذا يحتاج البعث للوصول إلى السلطة,,, فاجاب بكلمة واحدة: القوة

يصف صدام في الرواية، مصر بـ «الملعونة»، بعدما اعتبر نفسه ملكاً طرد خارج مملكته «العراق»,,, فاستحال إلى «كلب».


ثلاث سنوات بعيداً عن «الضواري»، لم يمارس صدام لذته في لجم المخالفين أو المنحرفين عن خط الحزب,,, والقاهرة كانت تعيش أوج حلمها القومي: دولة الوحدة بين مصر وسورية و«كاريزما» عبد الناصر مهيمنة، تعلم صدام الكثير، لكنه كان في المختبر وتحت المراقبة والسيطرة، ما جعل حلمه بـ «الجهاز العنكبوتي» ينكمش,,, ولم يكن يفرغ صدام طاقته الحيوية، إلا في مشاهدة الضباع في حديقة حيوان الجيزة.
أي مقارنة واقعية بين الحياة التي عاشها صدام في غرفته الفقيرة في الكرخ، وبين «الفيلا» في الدقي، وحياة الطلاب في جامعة القاهرة، لا يمكن أن تكون في مصلحة «الخيار الأول»، لكن صدام كان يفتقد «الزعامة النامية» و«البطولة» المقموعة التي تلمس «سكرتها بعد محاولة اغتيال قاسم، والاستقبال «الكريم» الذي قابلته به قيادات البعث في دمشق.
لكن سنوات الانتظار في «المهجر القاهري» كانت قاسية على صدام، فلم يمارس سلطته إلا على أبي العلاء,
هكذا يصف الراوي سنوات الانتظار القاهري: أقام صدام حسين في القاهرة ثلاث سنوات كاملة, الرجوع إلى العراق بدا في تلك الأيام المصرية البعيدة، حلماً خيالياً بالنسبة إلى رفاقه القاطنين الفيلا ذاتها، أمام صف أشجار الكافور العالية, صدام كان في المقابل، يعلم علم اليقين أنه عائد بعد أسابيع أو شهور, لن يبعثر حياته في هذه الزاوية من الأرض, الحياة هناك، في بغداد، تنتظر عودته كي يقبض عليها.
أثناء وجوده في القاهرة، انتخب عضو قيادة فرقة في البعث، ثم عضو قيادة شعبة ثم عضو قيادة فرع مصر, في الفترة ذاتها، تابع دراسته الثانوية التي انقطعت بمحاولة اغتيال الرئيس قاسم، فحصل من مدرسة قصر النيل على شهادة إتمام تدريب للمرحلة الثانوية.
في دمشق سأله ميشال عفلق: «ماذا يحتاج البعث العراقي للوصول إلى السلطة».
صدام أجاب بكلمة واحدة: «القوة».
واقفاً في ميدان التحرير في القاهرة ينظر إلى التروللي رقم 17 عابراً، والناس يتدافعون في داخله ويتمسكون بالماسورة, فكر صدام مرة أخرى في حواره مع الأب المـؤسس, القوة موجودة في الجيش، الكل يعلم هذا، لكن الجيش ليس بعثياً، وهنا جوهر المشكلة.
قبل أيام أنب رفيقاً في التاسعة والثلاثين، عنده عائلة وحفنة أولاد خلفه في الوطن, الرفيق أبو علاء الذي يكبرهم سناً، بدا حائراً أمام العبارات القاسية, لم يعرف أنه تحت المراقبة.
أبو علاء تذكر تلك اللحظة، مشهد الغسيل الملون المنشور في الغبار وراء زجاج النافذة المتسخ، بينما الرفيق صدام ينهال عليه تقريعاً لجلوسه كل يوم مع الناطور الأبله السكران الغبي الحشاش.
سـأله أين إحترامه لذاته، وأين احترامه للحزب؟ السؤال الأخير كان تهديداً بالفصل, الرفاق الآخرون المتحومون حول الرجلين في بهو الفيلا، سمعوا في النبرة الجليدية، تهديداً لا بالفصل فقط وإنما بالإعدام ايضاً, أحد هؤلاء أصبح عام 1975 وزيراً للتعليم في بغداد، لكن ما لبث أن فر من العراق عام 1978. وروي في مقابلة مع صحيفة ألمانية عام 1983، أنه لا ينسى منظر ذلك الرفيق الأبيض الشعر، واقفاً أمام صدام ووجهه يرتجف بالبكاء, بعد أسبوعين انتبهوا أن الرفيق أبو علاء لم يأت إلى الفيلا منذ أيام,,, هكذا أختفي أبو علاء.
تلك الليلة، كتب صدام رسالة إلى عمه حسن إبراهيم، يطلب منه فيها أن يذهب على الفور إلى خاله خيرالله طلفاح، كي يزوره ويطلب له يد ساجدة, بعد أسابيع وصل الرد مع تاجر عراقي,,, كاد صيف 1960 ينتهي, رابطة الطلبة العراقيين في القاهرة نظمت حفلة لمناسبة عقد صدام حسين قرانه على أبنة خاله ساجدة خيرالله، وهو بعيد عنها.
في صورة فوتوغرافية التقطت أثناء الحفل، وحفظت لاحقاً في أرشيف القصر الرئاسي في بغداد، يظهر صدام حسين ابن الـ 23 عاماً واقفا ببذلة داكنة اللون يظهر من جيبها العلوي منديل أبيض طوي بأناقة, حوله يحتشد رفاق بعثيون ولاجئون سياسيون يعيشون في العاصمة المصرية، على طاولة، في الزاوية السفلى للصورة، باقة زهور بيضاء في مزهرية زجاج, صدام، بشارب أسود خفيف وقميص أبيض، لا يضع كرفاقه ربطة عنق، لكنه يبادلهم الضحك.
أعتاد أن يقرأ «الأهرام» كل صباح، وما يصل إلى مصر من صحف عراقية, راقب أسلوب عبد الناصر عن كثب,,, «الكاريزما» القادرة على جذب كل هذه الجماهير بحماسة العبارة وجمال الصوت, على الراديو، بدا صوت عبد الناصر، بين صوتي أم كلثوم وعبد للحليم حافظ، بالنسبة إلى صدام، الصوت الأشد تميزاً بين الثلاثة في مصر كما في سورية ولبنان واليمن وباقي الأقطار العربية, تستجيب أمواج الحشود لكلماته، كأنه لمس وتراً سرياً في أعماق كل واحد منهم.
حين أراد عبد الكريم قاسم، أن يضم الكويت إلى العراق، وقف جمال عبد الناصر «عدو قاسم اللدود» إلى جانب الإنكليز المساندين لإمارة الكويت,,, وهذا التحالف اضطر قاسم إلى التراجع.
صدام من منفاه راقب تلك اللحظة الحرجة، وقال إنه الآن تعلم درساً جديداً.
كان يعانى ضيقاً مادياً، حين أعلنت سورية الانسحاب من الوحدة في 1961. أقدمت مصر «الإقليم الجنوبي في الجمهورية العربية المتحدة»، على خفض المخصصات التي كانت تدفعها للاجئين البعثيين العراقيين على أراضيها, في بضعة الشهور كانت الحكومة المصرية تتوقف عن دفع المخصصات كلياً, في الوقت نفسه ضاعفت المخابرات المصرية رقابتها على البعثيين.
كان أيقن منذ زمن باكر، أن على الواحد تنظيم ذاكرته, أعتبر الذاكرة خزانة تتسع لعدد محدد من الجوارير والرفوف,,, والجوارير والرفوف بدورها تتسع لعدد معين من المعارف والمعلومات, عليه تنظيف الخزانة باستمرار، كي تتسع للجديد, الذكريات غير المفيدة غير العملية، ليست فقط بلا ضرورة، إنما هي أيضاً عقبة في وجه التطور بعدما صار «رجل بغداد القوي», اعتاد أن يجمع المشرفين على وزارة التربية والتعليم، وأن يحاضر فيهم خلال خريف 1967. بعد وصول «البعث» إلى السلطة، أشرف على عمليات تعذيب وإنتزاع اعترافات ـ وذكريات ـ في «قصر النهاية».
رأى في أيام قليلة عددا من الوجوه عن مسافة قريبة، يفوق ما رآه خلال سنوات, في الخريف التالي، كان نسي كل تلك الوجوه، حتى ذلك الوجه المخطوف اللون لرجل رفعه من ياقته فجأة، بلا أي كلام، فور دخوله غرفة التعذيب، حتى ذلك الوجه المغطى بالرعب زال من ذاكرته, شيعي نجا من التعذيب ونال حق اللجوء السياسي في أوروبا، روى أن رجل بغداد القوى دخل مرة غرفة التعذيب، رفع رجلاً رفض الكلام من ياقته اسقطه في حوض الأسيد، ثم راقبه يذوب.

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 01:36 AM
خلال العام الثاني في المنفى المصري، راقب الشاب صدام أسلوب عبد الناصر في الحكم، ووصل إلى خلاصات لن ينساها بعد ذلك: يمكن للحاكم أن يضرب الأحزاب، ويسمح له حتى أن يرمي حلفاءه في السجون، لكن بشرط واحد: الإحتفاظ بالقدرة على إقناع النفس بصواب أفعاله, اذا اقتنع هو، لا بد أن تقتنع الجماهير, إذا اقتنع هو، وبالدهاء الكافي، يستطيع إقناع الجماهير.
عبد الكريم الشيخلي، قال إن ذلك ينجح مع عبد الناصر، لأنه صاحب أسلوب خطابي، ولأن الناس يرغبون في تصديقه, قال لصدام: «ينجح لأنهم يحبونه».
هز صدام رأسه، كان يدرك أن هناك دربا آخر, «إذا لم يحبوك علمهم أن يخافوك»، قال لنفسه, بعد أيام متابعاً حبل الأفكار ذاته، بلغ استنتاجاً آخر: «وإياك أن تكشف مركزك الحقيقي، مقدار قوتك، قبل أن يدرك الجميع أنك فعلا مصدر خطر، أنك الأقوى والأشرس», كان هذا يعني بالنسبة إليه البقاء تحت الأرض، إدارة اللعبة من وراء الكواليس في انتظار اللحظة المناسبة، لحظة سقوط الخصوم جميعاً «العالم كله» في الفخاخ التي نصبها بصبر وأناة.
«لا يسمح الروائي لنفسه أن يجعل صدام بلا جاذبية شخصية، كشاب, فهو سياسي لاجىء في القاهرة، يحمل معه «بطولة واقدام»، طالب جامعي ومركز ثقل وصاحب مركز قوي بين رفاقه السياسيين اللاجئين من الاقطار العربية, ومع ذلك يبدو اللقاء الأول «العاطفي» في حياة صدام، كما تقدمها الرواية، شاذا وغير مبرر، قد يصبح مفهوماً في ما بعد، لكنه في هذه الفترة من حياته بدا غير مفهوم، وهذا هو المشهد كما يرسمه الروائي: التقى في الجامعة فتاة من أصول لبنانية، تدعى سالي نمر في حديقة الأورومان، بينما يأكلان ذرة مشوية، أخبرته أن أباها خسر بالتأميم نصف ثروته، كانت تحمل كتابا عن الثورة البلشفية، وآخر عن الكنيسة في العصور الوسطى، دعته إلى زيارتها في بيت أهلها في المعادي, أخبرته أنها تذهب إلى لبنان كل صيف، وأن جدتها لأمها تعيش في قرية مشهورة بالزيتون وزيت الزيتون تدعي حاصبيا، كان يستمع إلى كلماتها، إلى موسيقى صوتها، ينظر إلى عنقها، إلى بياض العنق، ويفكر أنه لا يفهم هذه المخلوقات: ما هذا الذي تحكي عنه؟ في أي عالم غريب غامض عبثي تحيا؟ فستانها الأصفر، بالدوائر البيض على قماشته، بدا جزءاً من أرض الربيع، تحت سماء زرقاء نقية اقتربت منه مرتفعة على رؤوس أصابعها، في ظل الأشجار وقبلت فمه, أمسكها بعنقها، ثم لم يعرف ماذا يفعل بها, استدار ومضى مبتعداً.
في حديثة الحيوان المجاورة للجامعة، اعتاد الجلوس أمام قفصين، يراقب حركة نمر هندي أصفر مخطط بالأسود في القفص الأول، وعراك الضباع الوحشي في القفص الآخر، المقسم بقضبان حديد رفيعة إلي مساحات مربعة, يتسع كل مربع منها لضبع واحد، كانت الضباع تتعارك عبر القضبان، أحياناً تلتحم بالأسنان، أو تنهش أذيال بعضها بعضا, حين ترمى شقف اللحم التي تقطر دماً إلى النمر الهندي يضغطها بمخالبه على التراب ثم يولج فمه فيما يرفع رأسه بالفروة الذهب المشعة، والأحمر يقطر من الشارب والأنياب، العينان تتسعان، تنظران إلى رجل جالس على مقعد وراء القضبان الحديد، يتفرج عليه.
سأله الشيخلي، بينما يأكلان حلوى أم علي المصرية (رقائق الألف ورقة بالزبدة والمكسرات والكريمة) في أحد مقاهي سليمان باشا، عن إخوته من أمه، «هل هم جميعاً في العراق»؟ وضع صدام الملعقة على حافة الصحن، وقال إن القاهرة تخنقه, كان أكل ملعقتين فقط.
ماذا نفعل هنا؟
انقلاب 8 فبراير انقذ صدام من الاختناق في القاهرة التي بدأ يعلن سخطه عليها، فعاد إلى «عالم الضواري» الذي يفتقده.
عقب إنقلاب فبراير 1963، ارتد البحر على الشيوعيين، في المرة الأولى كانت ذراعهم العسكرية في عز قوتها، وهذه المرة وجدوا عدوا مسلحاً فتاكا, أثناء فترة إقامة صدام في القاهرة، استطاع البعث العراقي أن يجهز ذراعه العسكرية (الحرس القومي) في انتظار اللحظة المنتظرة.
بينما الضباط البعثيون في الجيش ينقلبون على قاسم، بتحالف عريض مع أعدائه المتكاثرين، شن «الحرس القومي» بقيادة عبد الكريم نصرت الغارات الأولى على بيوت الشيوعيين، سكان بغداد شاهدوا من وراء النوافذ رجالاً في ثياب كاكية بربطات خضر تطوق الزنود، يخرجون من أقبية ومخازن وكاراجات حاملين أسلحة رشاشة تلمع في النور الشتائي.
طوال ثلاثة أيام، تحولت الشوارع إلى ميادين قتال, المعارك قفزت من بيت إلى آخر, عائلات كاملة قتلت في غرف نوم ومطابخ وممرات وردهات, الراديو كان يذيع بيانات تطالب المواطنين بالإدلاء بمعلومات عن مراكز الشيوعيين وبيوتهم ومخابئهم, خمسة آلاف شخص قتلوا في 60 ساعة، «الحرس القومي» تخلص من شيوعيين لجأوا إلى مسرح في شارع «الكفاح»، لكنه لم يلبث أن وقع على مجموعة أخرى منهم، كأنها المجموعة الأولى ذاتها، في قاعة مسرح أخرى، في شارع مجاور إحدى وحدات «الحرس القومى» بقيادة ناظم كزار، قتلت في أقل من 30 ساعة، 97 رجلا ودفنتهم في منطقة الجزيرة، تحت أساسات إحدى العمارات.
عاد صدام إلى العراق بعد ثلاث سنوات في القاهرة، فوجد أن «البعث» نسي وجوده، هو الذي أطلق النار على قاسم في 1959، وتلقى رصاصة في فخذة آنذاك, بات الآن أسماً غائماً بين أسماء لا تعد، لم يتذكره أحد، لم يفكر أحد فيه أصلاً في تلك الأيام السوداء، حين شاع الخطف والقتل والنهب والتعذيب والإختفاء، كان كل واحد يفكر في رأسه وفي المحافظة عليه, وإذا فكر الواحد في غيره، كان يفكر في طريقة لقتل هذا الغير والإستيلاء على موقعه, حتى الحزب، الذي وصل إلي السلطة أخيراً، بالتحالف مع ضباط ناقمين على قاسم، حتى «البعث» كان يهتز بانقسامات داخلية، العقيد أحمد حسن البكر عين رئيساً للوزراء، كان يقود الجزء المعتدل في «البعث»، وإلى جانبه وزير الدفاع، العقيد صالح مهدي عماش، لكن المشكلة كانت الجناحين المتطرفين: جناح اليسار بقيادة الأمين العام للبعث علي صالح السعدي، ويطالب بتحول العراق سريعاً إلى دولة اشتراكية، وجناح اليمين بقيادة رئيس سلاح الجو الرفيق الجنرال حردان التكريتي، ويقترح تحولاً بطيئاً للدولة إلى الاشتراكية من دون التخلي عن الضباط الذين ساندوا «البعث» في عملية الانقلاب على قاسم والاستيلاء على السلطة.
«الحرس القومي»، يحركه امين عام «البعث» علي صالح السعدي، في القتل والنهب وترويع سكان بغداد, أراد السعدي تطهير بغداد من الشيوعيين ما دامت السلطة في يد «البعث» الآن, صدام راقب عمليات التطهير, قدم أحياناً معلومات وعرض خدمات على «الحرس القومي» في أحيان أخرى.
أربكه أن يجد جهوده تضيع وتتبدد كالماء في الصحراء, سنوات المنفى أبعدته عن الشوارع والأسماء الجديدة والعلاقات المستجدة, «بيت العنكبوت» لم يعد بيته, كان يمارس عمله الحزبي عضواً في قيادة «مكتب الفلاحين المركزي»، مدركا أنه على الهامش وأن الإنتقال إلى المتن في هذه اللحظة، ضروري وحاسم, جدد المحاولات، لكن الفشل أصابه، مرة تلو أخرى, حتى الحصول على موعد مع العقيد البكر بدا مستحيلا, كانت الأيام تمضي وصدام يحس بالغليان في داخله, يضرب قبضته على جرح فخذه، يتدخل في خلافات تافهة في «مكتب الفلاحين» ويتساءل، كيف يحدث مثل هذا بعد كل ذلك الانتظار.
ظل صدام ساكتا، العقيد البكر بدا متعبا, رفع يدا حزينة، ومسح عرقاً عن جبهته، نظر إلى صدام وكرر قوله:
«المهم أن يبقي البعث موحداً».
أجابه صدام: «المهم أن يبقى البعث في السلطة».
لم يبق «البعث» في السلطة في نوفمبر 1963، بعد تسعة أشهر على إعدام قاسم في مبنى التلفزيون العراقي، أخرج الرئيس عبد السلام عارف حلفاءه السابقين، من السلطة, لم يحدث ذلك بغتة، كان «البعث» ينحر نفسه بيده طوال الصيف الفائت بصراعات قاتلة داخلية.
خروج «البعث» من السلطة، اشعل في صدام الرماد المخبؤ داخله واطلق طاقته «السرية»,,, ناظم كزار كان «كلمة السر» التي فتحت له أبواب «الحرس القومي»، ومهدت لاسطورة الجهاز الجهنمي الذي ابدعته عقلية «جهاز حنين لأمن البعث»، هكذا يعرض الراوي مراحل الاهتداء لآليات «البناء العنكبوتي».
قبل خروج «البعث» من أروقة السلطة في ذلك الخريف، التقى التقى صدام، الشيخلي في مقهى قرب أحد أوكار الحزب في الحسوة، أخبره الشيخلي أنه يشارك «الحرس القومي» ميوله إلى إنهاء تحالف الحزب مع الضابط والعسكر, وقال: «يتسلقون إلى أعلى على ظهورنا ويرمون لنا البقايا».
صمت صدام محدقاً في عيني الرفيق القديم، الذي شاركه محاولة إغتيال قاسم، وسنوات المنفى في القاهرة, لم يرتبك الشيخلي، لكنه تابع كلامه بتدفق سريع، كادت الكلمات معه أن تتصل في كلمة واحدة لا نهائية الطول وفارغة من المعنى, «ليس الضباط غير البعثيين فقط, الضباط البعثيون ايضا لا يمكن الوثوق بهم, حردان التكريتي صار نديم عبد السلام عارف, حتى العقيد البكر يميل إليهم على حساب البعثيين المدنيين, السعدي ونصرت وكزار صنعوا هذه الثورة بالدم، والآن يريد العسكر أن يسرق».
قطع الشيخلي كلماته, أوقفته حركة عصبية من يد صدام, أخذ الشيخلي نفساً ثم سأله: شبيك؟
أجابه صدام: »لا تلفظ كلمة واحدة تعجز عن دعمها بالدليل الملموس، حتى لو كانت صحيحة، ما تفكر فيه أفكر فيه أنا أيضاً, لكن العقيد البكر ليس من هؤلاء».
قال الشيخلي وقد هدأت نبرته: أليس هو ضابط أيضا؟
أجابه صدام بسؤال: من تعرف من «الحرس القومي»؟
سأل السؤال، وكان يعرف الجواب سلفاً, الشيخلي تراجع إلى خلف كرسيه وأبدى ارتياحاً لبلوغ الحديث هذه النقطة المنتظرة, أجاب: ناظم كزار.
صدام أخرج سيجارة من علبته الثابتة قرب فنجان القهوة على الطاولة, أشعلها ثم قال: دبر لي لقاء مع كزار.
المعلومات التي جمعها عن «الحرس القومي» بدت بالنسبة إليه إشارة أخرى من الأقدار، لكن في هذه المرة كانت الإشارة ساخرة مريرة, خطة هذه الوحدات المسلحة وجدت في رأسه قبل سنوات بعيدة، لكن خروجه من العراق منعه من تنفيذها, في غيابه نفذها آخرون وقطفوا ثمارها، بل هم حتى لم يتقنوا أساليب قطف ثمارها, أرادوا أن يقطفوا الموسم كاملاً دفعه واحدة، الناضج الحلو والفج الحامض معاً, حصدوا الخيبة وآلام الأضراس والبطن، وها هم يترنحون، غير عارفين أن ضربة العسكر آتية.
التقى صدام، كزار للمرة الأولى في 7 اكتوبر 1963، كان لقاء قصيراً في فيلا قرب ساحة الأندلس، صادرها «الحرس القومي», جلسا في بهو متسع ومبلط بالرخام، نوافذه الإنكليزية الفسيحة العالية تطل على حديقة مزروعة بأصناف نبات غريبة لا يرى مثلها في مكان آخر من العراق, كان وقت الغروب خلال الجلسة التي دامت 39 دقيقة، تلاشى نور النهار وأعتمت الحديقة، ثم سال حبر الظلام وملأ البهو أيضاً، لم يأمر كزار حراسه بإضاءة المصابيح، ولا صدام إهتم بمسألة النور وغيابه، بينما السماء تظلم، وصخب المدينة يخفت رويداً رويداً وراء أدغال الحديقة والسور الحجر المرتفع المغطى بكروم عنب برية غير مثمرة.
في نهاية الحديث، قال كزار: «هذا تفاهم ضروري، ثقتي بالعقيد البكر كاملة، لكن الأمين العام محق في شكوكه، حردان التكريتي خطر، ولاؤه الأول للجيش ولعارف وليس لحزب البعث, والعقيد البكر يتهاون مع حردان دائماً ربما لأنه ابن منطقته».
سكت لحظة وأردف: «أعلم أنك من تكريت, وأنت تعلم أنني ليست سنياً, هذا في الختام غير مهم, المصالح المشتركة هي أساس كل تحالف».
الرئيس العراقي القائد الأعلى للقوات المسلحة العقيد عبد السلام عارف، أدرك أنه أعطى الذريعة التي ظل ينتظرها ليلاً نهاراً طوال الشهور التسعة الماضية,,, ضباط الجيش البعثيون في قبضته الآن، لا يريدون منه إلا أن يبادر ويضرب, بعد اليوم لن يكونوا إلا أتباعاً لسلطته، اصدر عارف أمر للواء التاسع عشر بشن هجوم شامل على «الحرس القومي»,,, خلال ساعة تحركت ألوية مساندة، زحفت الدبابات على جسور دجلة، وهدرت مقاتلات سلاح الجو في سماء العاصمة الملبدة بالغيوم.
في بغداد، فرغت بيوت البعثيين من الرجال، كان هجوم الجيش سريعا كاسحاً, غارات الطائرات سوت مراكز «الحرس القومي» بالأرض, الضباط البعثيون أعدوا بأمر من عارف لوائح بأسماء وعناوين وأوكار وملاجىء سرية, المداهمات نفذت خلال 48 ساعة خاطفة، وملأت سجون بغداد والموصل برجال كانوا في الأمس القريب يحكمون البلاد، أو على الأقل: شوارع البلاد.

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 01:36 AM
صدام كان يقطع عندئذ ـ للمرة الثانية في حياته ـ السهل وراء النهر، في عباءة بدوية بعقال وكونية يلفان رأسه، عند الثانية وخمسين دقيقة من فجر 19 نوفمبر، سقط في حفرة موحلة وكاد يكسر كاحله الأيمن، زحف إلى خارج الحفرة، جلس في العراء لاهثاً، ساقه كلها تؤلمه وكان جائعاً، عضلاته الساخنة النابضة أحرقت طاقته.
تغرب صدام خارج بغداد، لم يدم طويلاً هذه المرة, قبل رأس السنة استطاع العقيد البكر أن يحصل علي تعهد من عارف بعدم ملاحقة التيار المعتدل في البعث, عارف رأى في حماية هذا التيار المعتدل، درباً إلى تقليص قوة «البعث» وإسقاطه من كل حساب نهائياً, خطة الرئيس بدت بسيطة لكن حاسمة الفاعلية: وجود تيار مدني معتدل في «البعث» يضمن إضعاف الضباط البعثيين من دون أن يشكل خطراً فعلياً على نظامه.
بعد سبعة أيام، زار صدام، البكر الذي تلقاه البكر بالعناق, جالسان أمام نار المدفأة أشعل العقيد غليوناً، ثم قال بنبرة حاسمة: «البعث بلا جهاز أمن لن يقف على ساقيه, أريدك إلى يميني يا صدام, علينا استعادة السلطة

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 01:39 AM
الحلقة الرابعة

صدام حافظ على وعده,,, لن نسمح بخطف السلطة من البعث مرة أخرى سأل البكر بعد أيام من 17 يوليو: تريد انقلابا بلا دم؟

حتى اشد الاشخاص كرها لصدام حسين، لا يستطيع ان ينكر عليه، أنه ومنذ 1966 وحتى الآن، لم يكن فقط الموجه والمخطط والمنفذ لكل أحداث العراق الكبرى، الدموي منها والمفيد،


بل كان يقوم بنفسه بكل العمليات والتصفيات والقتل والتعذيب والتحقيق، وربما المراقبة ايضاً وكتابة تقارير الوشاية والتجسس, وبقدر براعته في التقاط الكفاءات واستغلالها، ابدع في القائها إلى حتفها بمجرد استنفاد اغراضه منها.
وهكذا قرر صدام في اللحظة الحاسمة: نحتاج أعمدة نظام عارف الأربعة إلى جانبنا: رئيس الاستخبارات العسكرية العقيد عبد الرازق نايف، رئيس الحزب الجمهوري العقيد عبد الرحمن داوود، قائد الكتيبة المدرعة في الحرس الجمهوري العقيد سعدون غيدان، وقائد حامية بغداد العقيد حماد شهاب.
في تلك اللحظة ذاتها، كانت القيادة القطرية لحزب البعث مجتمعة في منزل العقيد أحمد حسن البكر, كان اجتماعا سرياً طارئاً, وفيما الكل على أعصابهم، قال الأمين العام البكر، إن أركان القصر الجمهوري قبلوا خطة البعث الإنقلابية بشرطين: أن يعطى العقيد نايف منصب رئاسة الوزراء، والعقيد داوود منصب وزارة الدفاع, أما الشرط الثاني، فهو تنفيذ الإنقلاب فوراً، هذه الليلة، لأن الرئيس عارف يشك في العقيدين، وأي انتظار أو تلكؤ، سيعرض حياتهما والخطة بكاملها للخطر.
العقيد عماش، قال إنه يشارك الأمين العام الرغبة في اطاحة عارف سريعاً، لكنه يرى الشرط الأول ابتزازا للحزب، «إذا أخذوا رئاسة الوزارة ووزارة الدفاع، فهذا يعني أنهم خطفوا السلطة لحسابهم الخاص».
اما حردان التكريتي فاقترح تأجيل تنفيذ الخطة.
البكر سأل الأعضاء الآخرين رأيهم, أحدهم قال إن «الابتزاز المطروح، مهين لحزب البعث ومهين للعراق وللأمة».
صدام الجالس صامتاً طوال الوقت، وقف عندئذ، ومشى متجاوزاً الكراسي والكنبات، ثم وقف إلى يمين العقيد البكر، لبث صامتاً لحظة ثم قال: «أعلم أن العقيدين نايف وداوود فرضا علينا فرضاً، وأنهما يريدان طعن البعث في الظهر,,,», توقف ثانية عن الكلام، حدق أمامه، وتابع: «لكن ليس عندنا خيار آخر الآن, علينا التعاون معهما لإبعاد عارف عن السلطة, هذا ضروري وعاجل ولا يقبل أي تأجيل».
لكن العقيد عماش اعترض، قائلا: «هذا يعني إزاحة عدو من السلطة لتسليمها إلى عدو آخر», حردان التكريتي وافقه.
تدخل عبد الكريم الشيخلي: «ليس تماماً».
صدام رفع يده في وجه الحضور، وأعلن خطته شبه الكاملة: «لن نضع عدوا آخر في السلطة, ما ان ينجز العقيدان نايف وداوود الانقلاب على الرئيس عارف حتى تنتهي حاجة البعث إليهما, علينا أن نتعاون معهما خلال الانقلاب لكن بعد ذلك مباشرة علينا تصفيتهما».
ساد السكون المكان ولم ينبس أحد بكلمة، بحرف او بهمسة, تابع صدام بتلك النبرة الجليدية التي طالما زرعت الذعر في قلوب رفاقه: «لن نسمح بخطف السلطة من البعث مرة أخرى، وأتطوع شخصياً لتنفيذ عملية التصفية».
لم يكن الصباح طلع على القصر الجمهوري بعد، حين رن الهاتف الثقيل الذهب في غرفة النوم الرئاسية، الرئيس عبد الرحمن عارف، رفع يداً ثقيلة والتقط السماعة, الجنرال حردان التكريتي أعلمه أنه يحدثه من صالون القصر، على بعد امتار منه, عارف مسح آثار النوم عن رموشه باليد الأخرى، وأحس السماعة تثقل كصخرة وهو يسمع الصوت الحاد الناشف يرتجف بالحماس، «إني مخول إبلاغك أنك لم تعد رئيساً للعراق, البعث سيطر على البلاد, وإذا استسلمت بلا مقاومة أضمن سلامتك الشخصية, استسلم الآن».
بنجاح انقلاب يوليو 1965، حقق صدام نصره الكبير الأول، واستطاع، هو الذي لم يكن يوما عسكريا، في ربط خيوط كل العقداء الذين شاركوا في الانقلاب: وهكذا أفاق العراقيون صباح 17 يوليو على رئيس جديد وحكومة جديدة,,, كان انقلاباً خاطفاً لم تهرق فيه قطرة دم واحدة, حين سمعت لعلعة عيارات نارية في أحياء العاصمة تلك الظهيرة، عرف أنهم البعثيون يطلقون الرصاص في السماء ابتهاجاً بالنصر، وبإبعاد عارف, الرئيس المخلوع أخرج من القصر الجمهوري بالمشاية ولباس النوم.

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 01:40 AM
وطرق صدام الحديد ساخنا، التحالفات الموقتة لم يصبر عليها إلا 13 يوماً, في القصر الجمهوري، قال للرئيس الجديد: «اسمع حضرة الرفيق، إن لم نضرب الآن، ضاعت علينا الفرصة».
أجابه البكر من وراء دخان غليونه: «سنفعل ذلك، لكن بلا دماء, علينا الاحتفاظ بقاعدة شعبية لهذه السلطة, حزبنا صغير وقوته في حكمته, إذا سال الدم الآن قد تضيع فرصتنا».
قاطعه صدام: «تريد انقلاباً بلا دم»؟
ابتسم البكر: «على الأقل في البداية».
كان البكر يضع كامل ثقته في ذراعه اليمنى، لأنه آمن دائماً أن الخطر الأول على سلطته يكمن في ضباط «البعث» وليس في الجناح المدني,,, في هذه البلاد لا يخطف السلطة إلا صاحب عسكر.
وهكذا وجد رئيس الوزراء عبد الرزاق نايف، نفسه محاطاً مع مرافقه بسبعة رجال,,, أمامه تماماً وقف صدام في بذلة سوداء يحمل مسدساً, ارتفع المسدس، الفوهة تجمدت أمام عينيه، ثم سمع ذلك الرجل ـ رئيس امن «البعث» ـ يقول بلهجة جافة: ارفع يديك.
العقيد نايف لم يخف من المسدس، بل من العبارة القاسية كالفولاذ, كان الصوت باردا، ميتاً لا يقبل أي مساومة او حوار او تنازل, بعد لفظ العبارة فقط، تحول المسدس فعلاً إلى الة قتل، إلى خطر فتاك,,, أيقن العقيد نايف أنه خسر الحرب، وأن العدو باغته بالضربة الأولى القاضية, صعقته الهزيمة، لم يحسب لحظة أن «البعث» قادر على التحرك بهذه السرعة الخاطفة.
ارفع يديك!
العقيد نايف رفع يديه عندئذ وغطى وجهه بالأصابع المذعورة, كان جسمه يرتجف، وحين تكلم خرج الصوت من فمه متهدجاً مخنوقا: «عندي أربعة أطفال».
أجابه حسين: «لا تخف أطفالك بخير إذا تصرفت بتعقل, عبد الرزاق، أنت تعلم أنك تطفلت على هذه الثورة وأنك عقبة في طريق الحزب، دفعنا ثمن هذه الثورة دمنا، قرار البعث هو إزاحتك من الطريق، عليك مغادرة العراق فوراً, حدد عاصمة نضعك فيها سفيراً».
رد نايف: بيروت
قاطعه صدام: غير بيروت.
قال نايف: الجزائر.
هز صدام المسدس: غيرها.
قال نايف: الرباط.
أجابه صدام: الرباط.
في تلك اللحظة فقط، أحس نايف أنه نجا من الموت, كان في فم الحوت، لكن الحوت أطلقه، سمح له بالنجاة، لكن جسمه استمر يرتجف.
بعد سنين طويلة، في الذكرى الرابعة عشرة لثورة 17 يوليو 1968، روى صدام أمام الصحافيين أنه شعر بالدموع تنزل من عينيه، حين أقلعت الطائرة حاملة نايف بعيداً, قال وهو جالس في القصر الجمهوري يحتفل بذكرى الثورة، إن طلقة واحدة آنذاك، كان يمكن أن تجهض عملية التخلص، لكن الأقدار جعلت العملية تنفذ بكل هدوء، ومن دون أي خطأ.
في المساء الأخير من يوليو 1968، اجتمعت القيادة القطرية لبعث العراق في القاعة الرئاسية في القصر الجمهوري, الأمين العام الرئيس البكر، بادل الرفاق الوزراء الانخاب، ثم ألقى خطاباً قصيراً, قبل الجلوس إلى مائدة العشاء أعلن رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة الأمين العام لمجلس قيادة الثورة، أنه تقرر تعيين الرفيق صدام حسين نائباً للأمين العام لمجلس قيادة الثورة.
صدام، وسط تصفيق المحيطين به وقف عندئذ، وطلب إعفاءه من هذه المسؤولية, ساد الصمت القاعة, قال صدام:
«البعث صار في السلطة لكن مهماتنا الأمنية لا تنتهي, أرجو عدم الإعلان عن هذا المنصب الجديد, يكفيني أن أخدم الحزب».
البكر هز رأسه موافقا، لم يعلن خبر تعيين صدام نائباً للأمين العام، إلا بعد انقضاء سنة كاملة وثلاثة أشهر على ذلك العشاء الاحتفالي، الذي بدأ في السابعة والنصف مساء وانتهى عند الثانية فجراً.
بحلول اغسطس 1968، بات «البعث سيد العراق», الانقلاب الذي جرى على مرحلتين من دون إهراق قطرة دم واحدة، بدا كاملاً لكن الهدوء لم يدم طويلاً,
قائمة صدام كانت كاملة وجاهزة,,, في الاجتماع الأخير لكوادر «حنين» القيادية، قال صدام: «المؤامرات تحاك الآن بينما نعقد هذا الاجتماع، ومهمتنا أن نكون لها بالمرصاد، المطلوب تصنيف جديد وفعال لمعلوماتنا، أن نجمع الملفات حسب المحاور الاستراتيجية: الأكراد، اليهود، العراقيون من أصول إيرانية، الإيرانيون المقيمون في العراق، الشيوعيون المقسمون على جناحين، البعثيون الذين تعاونوا مع عارف في 1963، البعثيون أصحاب العلاقات المشبوهة مع بعث سورية وسلطة صلاح جديد, لا يكفي أن تكون العيون مفتوحة والآذان مفتوحة, الثورة بحاجة إلى عقل يفكر، وأنتم أدوات هذا العقل».

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 01:40 AM
في ذلك الصباح الكابوسي البعيد من سبتمبر 1968، أعلنت إذاعة بغداد إحباط قوى الأمن «مؤامرة ماسونية على النظام والوطن والأمة», خلال أيام قليلة، وفي بيانات جديدة من القيادة والرئاسة والاستخبارات العسكرية وأمن الدولة، ظهرت أمام الشعب العراقي صورة المؤامرة وأبعادها، طوال ذلك الخريف عمت الاشاعات البلاد، «لا دخان من دون نار», ومع كل بيان من الإذاعة، تقتحم بيوت ويختفي رجال, في 9 أكتوبر، أعلنت الحكومة في بيان لوزير الداخلية العقيد عماش، أن جهاز أمن الدولة كشف خلية تجسس صهيونية خطيرة في مدينة البصرة,,, طائرة عسكرية أقلعت من مطار البصرة تقل 17 يهودياً أثقلوا بالحديد ونقلوا في عربات تخص «سجن بغداد» إلى «قصر النهاية», ألقي القبض على مدير فرع شركة كوكا كولا في العراق, ظهر الرئيس البكر على التلفزيون، قبل إذاعة نشرة الأخبار المسائية، وأعلن أن «الأجهزة الأمنية الساهرة على حماية العراق وشعبه، من الأعداء ومن الطابور الخامس والمشبوهين، كشفت أخيراً خطة جديدة ومؤامرة شريرة تستهدف قلب النظام من أجل كسر صمود العراق الشجاع في مواجهة الخطط الرجعية والجشع الصهيوني ومؤامرات الإمبريالية».
في المكتب الرئاسي تلك الليلة، اقترح صدام على البكر خطوة أخرى لحشد الجماهير.
الإيقاع كان سريعاً، وآلة القتل (صدام) في اقصى نشاطها، تتلقف ما تلقيه إليها القوائم القديمة والجديدة، ومن كل الاتجاهات والأعمار، وعلى القارىء أن يدرك، أن الكلمات التي سيقرأها ليست إلا ذكرى لما حدث في البداية، قبل أن يتم تضخيم الآلة وتحديثها وتهيئتها للتوسع الداخلي والخارجي, ويوما ما سيتمنى صدام أن تكون قدرات الغزو العراقي وإمكاناته أكبر,
مساء 14 ديسمبر 1968، بث التلفزيون محاكمة ثورية لرؤوس «المؤامرة الصهيونية المدبرة ضد العراق»، هذه المحاكمة التلفزيونية، أطلقت سلسلة محاكمات ثورية أعادت العراقيين إلى عصر عبدالكريم قاسم، لكن غير المألوف في هذه المحاكم الجديدة، كان مفاجآتها التي لا تحصى: حين اقتربت الكاميرا من وجوه المعتقلين بثيابهم النيلية اللون، رأى العراقيون أن قفص الاتهام لا يحوي فقط يهوداً وشخصيات معروفة بعدائها لـ «البعث»، إنما ايضاً مسؤولين بعثيين وضباطا رفيعي المستوى,,, حتى رئيس الأركان فيصل الأنصاري ظهر في قفص الاتهام,
في محاكمة أخرى، ظهر رئيس الوزراء السابق عبد الرحمن البزاز، ووزير الداخلية السابق رشيد مصلح، ووزير الدفاع السابق عبد العزيز العقيلي والأمين العام لبعث العراق القديم فواد الركابي.
مصلح الذي ترك «البعث» وانضم إلى عارف عام 1963، اعترف بالتجسس لمصلحة «سي اي ايه»، فأعدم بعد يومين من اعترافه, البزاز والعقيلي لم يعترفا بارتكاب الجرائم التي اتهما بها، فأودعا السجن, رئيس الأركان المخلوع الأنصاري، حلف على الشاشة الصغيرة، أن لا علاقة له بالخطة الفظيعة التي حبكها المتآمرون في البصرة لمصلحة أميركا وإسرائيل وإيران، ثم أعلن أنه بريء، ولا يريد إلا الخير للعراق، فحكم عليه بالسجن 12 عاماً بتهمة «التآمر على الدولة».
المحاكمات العلنية على التلفزيون، كانت نصف المحاكمات الجارية, خلال نوفمبر 1968، في ليلة ظلماء، خطف وزير الخارجية السابق ناصر الهاني من أمام باب منزله,,, الزوجة التي سمعت البوق المألوف، أسرعت إلى الباب تفتحه لزوجها العائد، فرأت في الضوء الضعيف، باب السيارة مفتوحاً وحقيبة زوجها مطروحة على الأرض, لم تر زوجها فقط، لمحت فقط سيارة تختفي وراء المنعطف, بعد ثلاثة أيام عثر على الهاني جثة هامدة ملقاة في بورة وممزقة بالرصاص, صحيفة «الجمهورية» نقلت الخبر على الصفحة الثانية، واتهمت «المجرمين واللصوص بالجريمة الفظيعة».
بعد أيام، وجد العقيد عبد الكريم مصطفى نصرت، الضابط البعثي العراقي المقرب من بعث سورية وحركة صلاح جديد، مطعوناً بخنجر معقوف في سريره, وجدته الخادمة حين جاءت تنظف البيت صباح يوم الجمعة, هذه المرة ألقت الشرطة القبض على القاتل: كان لصا بدوياً اعترف بالجريمة خلال التحقيق وأعدم, الركابي سمع الخبر في سجنه, المحكمة حبسته سنة ونصف سنة فقط بسبب «تعاونه مع المحققين»، وكشفه معلومات «ضرورية وماسة ومفيدة» أمام «أمن الدولة»,,, قبل أيام من موعد إطلاقه، استيقظ باكراً وحلق ذقنه ولبس ثيابه، حين فتح باب زنزانته الانفرادية، ابتسم,,, ابتسامته لم تكتمل, دخل رجل ضخم الجثة يرتدي ملابس السجناء النيلية وطعنه ثلاث طعنات في صدره.

الـ محروم ـوافي
01-25-2004, 01:41 AM
الحراس دخلوا وأبعدوا الرجل الضخم، ثم نقلوا الركابي إلى المستوصف, ممدداً على ظهره، وسط غرفة بيضاء تفوح برائحة المطهرات والأدوية، انتظر الأطباء,,, لم ينتظر طويلاً، خلال أقل من 20 دقيقة، نزف جسمه كل ما فيه من دم بعدما هوت ذراعه عن السرير, اقترب طبيب وغطاه بدثار ابيض رقيق.
رفع صدام السماعة وسط الجلبة والصراخ وسمع صوت الرقيب عاطف عبد الحسين من «أمن الدولة»، يعلمه أنهم عثروا على مخبأ عزيز الحاج، وأنهم يحاصرونه, في هذه اللحظة صدام أوشك أن يصرخ في الهاتف: اقتلوه!
لكن صوتاً آخر في أعماقه ـ ذلك الصوت الذي يسمعه دائماً في ليالي الأرق جالسا في كرسي الخيزران ـ خرج هادئاً من فمه: «انتظروا وصول ناظم كزار، أريد الحاج حيا».
عند الخامسة إلا خمس دقائق، بينما الشمس تنير سماء بغداد وكل أزقة المتاهة المصنوعة من خشب وحجر وطين، أطلق عزيز الحاج الرصاصة الأخيرة من مسدسه، ثم رفع عبر الكوة قميصا أبيض.
وصل صدام إلى «قصر النهاية» عند السابعة إلا ربعا, كزار استقبله في البهو الملكي، «لم يلمسه أحد حسب أوامرك».
سأله صدام: «أين هو»؟
نزلا درجا إلى تحت الأرض كأنهما يهبطان إلى قعر بئر، قال كزار: «لن يتعاون الآن, اتركني معه ساعة ثم ترى».
صدام لم يقل شيئا، لكنه استطاع قراءة أفكار كزار في تلك اللحظة، كمن يقرأ في كتاب مفتوح، رفع يده في حركة تفيد بأنه لا يريد أن يسمع هذا الحديث الآن, أدى أحد الرفاق التحية الحزبية، ثم دفع باباً، ظهرت غرفة دائرية منارة بالنيون في مركز الغرفة,,, الحاج كان مقيدا إلى كرسي والمخاط يسيل من أنفه.
اقترب صدام خطوة، سكت دقيقة ثم قال: «أريد أن تعترف على التلفزيون بكل المؤامرات الشيوعية وبكل مؤامرات أعداء البعث ضد حزبنا وضد العراق وضد الأمة العربية,,, هذا ما أريده منك الآن».
في الزاوية وقف كزار يحدق في الحاج، ويفكر في أصناف تعذيب لا تحصى: عليه أن يعمل على هذا الشيوعي العتيق، ساعات وساعات وساعات, هذا رجل ذاق التعذيب مراراً وقضى في السجن عشر سنوات، لكن أساليب التعذيب تطورت، وهؤلاء الأقدمون ـ رجال نوري سعيد ـ ما كانوا يوماً أصحاب مخيلة، وأصحاب موهبة, عقد كزار يديه وراء ظهره وانتظر كلمات الحاج المتحدية, كلهم هكذا في البداية، أقوياء أشاوس لا يضعفون, لكن بعد ذلك، بعد إطفاء السجائر في العيون، بعد لسعة الكهرباء على الأظافر، بعد المطرقة على أصابع القدمين,,, بعد ذلك يختلف الوضع.
صدام قطع حبل أفكار كزار: «عزيز أريد جوابك الآن, عندي اجتماع في القصر».
رفع الحاج وجهه وقال بصوت ساكن: «لا أريد أن يعذبني أحد, اكتب لي كل الاعترافات وأنا أقرأها على التلفزيون».
باعترافات عزيز الحاج المتلفزة، تلقى الحزب الشيوعى أقسى ضربة في تاريخه، منذ إعدام الأمين العام الرفيق فهد, بين ليلة وضحاها، تحول الشيوعيون، «من مناضلين إلى خونة وعملاء ومجرمين