المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قسوة القلوب وعلاجها


Email Vip
06-16-2003, 08:42 PM
قسوة القلوب وعلاجها إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون عباد الله ليس أحد منا يجهل ما يجب عليه أو ما فرط فيه من الفرص السانحة والمغانم الميسرة وهل أحد من المسلمين يخفى عليه الأمر الذي خلق من أجله أم هل أحد من المسلمين يجهل حق الله عليه أو هل أحد من المسلمين لا يعرف نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أو لا يدري لم بعث وبماذا بعث وما حال من أطاعه ومن عصاه وهل أحد من المسلمين لا يعرف القرآن العظيم أو لم يسمع بآية منه أو لا يدري ما فيه أو نسي أنه شاهد له أو عليه أم هل أحد من المسلمين لم تبلغه دعوة الحق أو لم يصدق الداعي أم هل أحد من المسلمين لم يسمع موعظة قط أو لم يقف أمامه واعظ أو خطيب أو مذكر أو متحدث يذكره بما له وما عليه ويناشده الله أن يتقي الله في نفسه وأهله ودنياه وآخرته أم هل أحد من المسلمين لم يدركه موقف عظيم من مصيبة أو بلية أو مرض أو موت يجعله موقنا بحقيقة الدنيا وأهلها كلا ثم كلا ليس الأمر كذلك ولا قريبا من ذلك وكلنا يعرف ما يجب عليه فلا يحتاج من يذكره به وهو أدرى الناس بواجبه وبما فرط فيه وكلنا لا يجهل الغاية من خلقه ويعلم أن القرآن حق وأن محمدا صلى الله عليه وسلم حق وأن {من يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ولكن قد سمع من المواعظ المبكيات ما يقطع نياط القلوب ويفطر الأكباد ويخرج من المآقي دموعا حرى لا يملك الإنسان ردها وكلنا قد ملئت أذناه بتلك الكلمة العظيمة مرات ومرات وردت عليه كرات وكرات اتق الله اتق الله اتق الله اتق الله فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل ليس من يقطع طرقا بطلا إنما من يتقي الله البطل وكلنا قد أتى عليه من المواقف العظيمة والمصائب الأليمة ما يمنحه العزيمة على الرشد ويجعله جادا في ترك الدنيا وراء ظهره مهما تزينت له وطلب الآخرة بكل سبب مهما كلفته وكان صادقا في تلك اللحظات ولكنها لحظات سريعة لا تلبث أن تزول بعد ثوان معدودة أفرأيتم بعد كل هذا أعجب من أمرنا هذا كيف وقد انعقدت الدوافع وانحسرت الموانع تكون حالنا صفرا كأن شيئا لم يكن بل تكون عكسا نترك ما أمرنا به ونسرع إلى ما نهينا عنه وكأنما أمرنا بما يبعد من الجنة ويدني من النار إخوة الدين والعقيدة أحبتي في الله ما كل هذا وما سببه وما علاجه أما إني لكم ناصح وعليكم مشفق وأنا أحوجكم إلى من ينصحني ويشفق علي إن ذلك كله هو باختصار الإعراض عن آيات الله بعد ما ذكرنا بها فلا أحد أظلم منا } ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون } فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة كلا بل لا يخافون الآخرة كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة {بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون وفي حديث النفر الذين مروا بمجلس الذكر أن أحدهم أقبل فأقبل الله عليه والآخر استحيا فاستحيا الله منه والثالث أعرض فأعرض الله عنه أما سبب ذلك فكثير لكن من أعظم أسبابه وأجمعها قسوة القلوب فما أوقعنا في الدنيا حتى اشتغلنا بها وتركنا الآخرة إلا قسوة القلوب وما أفسد المواعظ والمواقف علينا حتى لم ننتفع بها إلا قسوة القلوب وما جعلنا نصدق بالجنة ولا نعمل لها إلا قسوة القلوب وما جعلنا نصدق بالنار ولا ندع موجباتها إلا قسوة القلوب كم وعظنا في الصلاة ولم نزل كسالى وكم وعظنا عن الغيبة ولم نزل نغتاب وكم وعظنا عن اللهو ولم نزل في لهو وضياع وكم أمرنا بحفظ السمع والبصر فلم نأتمر وزجرنا عن ضياع الوقت والعمر فلم نزدجر أما نصبنا الملاهي في دورنا وسطوحنا أما استقدمنا الكفار في أعمالنا وأسواقنا أما أكل بعضنا لحوم بعض أما نرى الفرق البعيد بين من يصلون الجمعة ومن يصلون الفجر كل هذا مع التصديق ودعوى محبة الله ورسوله والزهد في الدنيا والخوف من العذاب والرغبة في الثواب ولو أن عينا أسعفت لتوكفت سحائبها بالدمع ديما وهطلا ولكنها عن قسوة القلب قحطها فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا إنها قسوة القلوب التي أفسدت علينا أبداننا وأحوالنا وأعمالنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فأي قلوب أقسى من قلوبنا بل هل الحجارة الصماء أقسى أم قلوبنا لعلك إذا نظرت لمثل هذا تدرك شيئا من قول الله تعالى } ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وهو من أرق المخلوقات {وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم الخطبة الثانية الحمد لله حمدا طيبا مباركا كثيرا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا عباد الله اتقوا الله حق التقوى واعلموا أن الله سبحانه أمركم بالصلاة والسلام على رسوله المصطفى فقال جل وعلا } إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وقال صلى الله عليه وسلم من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين الأئمة المهديين وعن سائر الصحابة أجمعين وعن التابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين إخوة الدين والعقيدة لا بد أن يتفقد كل منا قلبه ليعرف أي قلب معه وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال اطلب قلبك في ثلاثة مواطن عند قراءة القرآن وفي الخلوات وعند الموت فإن لم تجده فاسأل الله أن يرزقك قلبا فإنه لا قلب لك وإن لقسوة القلوب أسبابا ولعلاجها أسباب وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقسي القلب حتى يجعله أغلف مكبوبا لا يدخل مؤثر ولا ينفعه تأثير وهو كثرة المعاصي والذنوب التي ترين على القلب حتى تجعله كذلك فما من إنسان رجلا كان أو امرأة يسلم قلبه للفتن والملذات والمعاصي والأهواء إلا رانت على قلبه حتى يصبح أسود مربادا كالكوز مجخبا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه كما ورد في الحديث فلا ينفعه نافع بل كلما اجتهد في إلانته ازداد قسوة وصلابة نسأل الله العافية أو ليس أعظم أسباب لين القلوب واطمئنانها ذكر الله تعالى كما في قوله {ألا بذكر الله تطمئن القلوب ولكن قلوبا من ذلك النوع لا يزيدها ذكر الله إلا قسوة وإعراضا وغفلة وإصرارا كما قال تعالى } فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله وقال سبحانه {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون فهم على أتم استعداد للحديث في أي أمر وتناول أي قضية إلا ذكر الله وما والاه } وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون وكما في قوله تعالى {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليه من ربك طغيانا وكفرا والآيات في هذا كثيرة ولذلك فإنها لا تنفع الأذكار ولا المواعظ مهما كثرت ولا تؤثر الأحداث ولا المواقف مهما عظمت ما دامت تصب في قلب أقسى من الحجارة الصماء وعلى من أراد الانتفاع والاتباع أن يحقق التخلية قبل التحلية فيخلي قلبه من كل مفسد ويحليه بكل مصلح ليكون بإذن الله من الذين } إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين بل تزيده المصائب والنكبات إيمانا وثباتا كما قال الله عن عباده {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما حتى يكون العبد في من يحملون قلوبا أطهر من السحابة في سمائها لا تعرف غلا ولا حقدا ولا حسدا ولا تحوي شدة ولا إعراضا ولا دخلا قال صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة أقوام قلوبهم كقلوب الطير أو كما قال صلى الله عليه وسلم لينا ورقة وسلامة وتوكلا على الله وحده وما من شك أن الإنسان لا يملك قلبه فيجعله صالحا ولكنه يملك المؤثرات فيه وهي التي سيحاسب عليها ومن رحمة الله أن جعل للأمور أسبابا تعين عليها ومن أعظم ما يعين على لين القلوب كثرة المواعظ والنوافل أما المواعظ فلقوله تعالى } وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ولو أن إنسانا سمع عشر خطب مؤثرات مبكيات لصلح بها قلبه بإذن الله ولو سمع عشر أغنيات مفسدات لفسد بها قلبه إلا أن يشاء الله وأما النوافل فلقوله تعالى في الحديث القدسي ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه... الحديث فصحيح أنك لا تملك قلبك ولكنك تملك المؤثرات فيه وهي التي ستحاسب عليها {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وأنت ترى من سلط على قلبه مؤثرات الحق حتى أصلحه ومن سلط على قلبه مؤثرات الباطل حتى أفسده } من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد ثم إن تلك المؤثرات لا تأتي عفوا صفوا هكذا ولكن لها ما يضعفها وما يقويها وهي المجتمعات فمن أراد الخير والتقى فليلحق بأهله ومن أراد شيئا آخر فليلحق بأهله {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى من القوم الظالمين وفي الصحيح أن العالم قال للذي أراد التوبة لكن أرضك أرض سوء فارحل إلى أرض فلان فإن فيها قوما يعبدون الله وفيه قوله صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل فتحصل لاستصلاح القلوب وحياتها ثلاث مراتب القلوب والمؤثرات عليها والمجتمعات والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم أسال الله أن يرزقني وإياكم والمسلمين قلوبا ذاكرة ومؤثرات صالحة ومجتمعات طيبة اللهم أعز الإسلام والمسلمين